ابن الجوزي

99

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

لمصارعكم في ثلاث ، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس ، فصرخ بمثلها ، ثم أخذ صخرة فأرسلها ، فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت ، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلت منها فلقة . فقال لها العباس : اكتميها . ثم لقي الوليد بن عتبة - وكان صديقا له - فذكرها له واستكتمه ، فذكرها الوليد لأبيه عتبة ، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش . فقال العباس : فلقيني أبو جهل فقال : يا أبا الفضل ، متى حدثت فيكم هذه النبيّة ؟ قلت : وما ذاك ؟ قال : الرؤيا التي رأت عاتكة . قلت : وما رأت ؟ قال : يا بني عبد المطلب ، أما رضيتم أن تتنبى رجالكم حتى تتنبى نساؤكم ؟ ! وقد زعمت عاتكة أنه قال : انفروا في ثلاث فنتربص بكم هذه الثلاث ، فإن يكن ما قالت حقا فسيكون ، وإن مضى الثلاث ، ولم يكن من ذلك شيء فنكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب . قال العباس : فجحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا ، ثم تفرقنا ، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت : أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ، ثم لم يكن عندك غيرة لما قد سمعت ؟ فقلت : قد والله فعلت ذلك ، وأيم الله لأتعرضن له ، فإن عاد لأكفيتكموه . قال : فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة ، وأنا مغضب أرى أن قد فاتني منه أمر أحبّ أن أدركه ، فدخلت المسجد فرأيته ، فوالله إني لأمشي نحوه أتعرض له ليعود لبعض ما قال ، فأقع فيه ، إذ خرج نحو باب المسجد / يشتد ، فقلت في نفسي : ما له لعنه الله ؟ أكل هذا فرقا من أن أشاتمه ، وإذا هو قد سمع ما لم أسمع : صوت ضمضم بن عمرو الغفاريّ وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره ، وشق قميصه ، وهو يقول : يا معشر قريش ، اللطيمة اللطيمة ، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد وأصحابه ، لا أرى أن تدركوها ، الغوث الغوث . قال : فشغلني عنه ، وشغله عني ما جاء من الأمر ، فتجهز الناس سراعا وقالوا : يظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرميّ ؟ كلا والله ليعلمن غير ذلك . وكانوا بين رجلين : إما خارج ، وإما باعث مكانه رجلا ، وأوعبت قريش ولم